السيد كمال الحيدري

448

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

وقد صوَّر الشيطان طريقة استعباده للإنسان من خلال لجمه وتحنيكه بما يُفقده القدرة على تقبّل الحقّ ، وذلك من خلال ما يُحدثه من شلل في حركته الفكرية ؛ قال تعالى : قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلَّا قَلِيلًا ( الإسراء : 62 ) ، والاحتناك : جعل اللجام في فم الحيوان ، لكيلا يتحرَّك يميناً ولا شمالًا ، وهكذا فعل الشيطان الغَرور بالإنسان المغرور . والاحتناك حكاية عن واقع حالٍ لمواليه ، الذين جاء وصفهم دقيقاً وعميقاً في كلمات أمير المؤمنين علي عليه السلام ، حيث يقول فيهم : ( اتخذوا الشيطان لأمرهم ملاكاً ، واتخذهم له أشراكاً ، فباض وفرَّخ في صدورهم ، ودبَّ ودرج في حجورهم ، فنظر بأعينهم ، ونطق بألسنتهم ، فركب بهم الزلل وزيّن لهم الخطل ، فعل من قد شركه الشيطان في سلطانه ، ونطق بالباطل على لسانه ) « 1 » . ومن مفردات الطاغوت أيضاً الكِبْر ، فهو المرض الوبيل الذي تأسَّس في مناخه الطاغوت الأوّل ؛ قال تعالى : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ( البقرة : 34 ) ، وكفى بالكبر موبقة أنه يصرف القلب عن رؤية الحقّ الصريح ، قال تعالى : سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ . . . ( الأعراف : 146 ) . ومن مفرداته أيضاً حبُّ الدنيا ؛ قال تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللهِ الْغَرُورُ ( فاطر : 5 ) . ومن مفرادته أيضاً كلّ حاكم ظالم ؛ قال تعالى : . . . يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيداً ( النساء : 60 ) .

--> ( 1 ) نهج البلاغة : ج 1 ، ص 42 خطبة رقم : 7 . تحقيق وتعليق الشيخ محمد عبده . .